محمد أبو زهرة
1976
زهرة التفاسير
هنا للكمال المطلق في الرسالة ، وكان كمالها في عمومها ، وفي كمال الشريعة التي جاءت بها ، وصلاحيتها لكل الأزمان والأقطار والأمصار ، ورسالتها فوق ذلك فيها الأحكام الخالدة من كل الرسالات السابقة ، فمن آمن به فقد آمن بالرسالات كلها ، ومن كفر برسول من السابقين ، فقد كفر برسالته ، فرسالته هي جماع الرسائل ، وهي أوسطها وأشملها وأمثلها . وقد أكد الله سبحانه وتعالى فضل رسالته وكمالها وعمومها بثلاثة أمور : أولها - في قوله تعالى قَدْ جاءَكُمُ أي بعث هذا الرسول الأمين الكامل في معنى الرسالة وأدائها . قد جاءكم أيها الناس جميعا ، فهي رسالة جاءت لصالحكم جميعا ، أي لصالح البشرية كلها ، لا لجزء من أجزائها . ثانيها - التعبير بقوله تعالى بِالْحَقِّ أي مقرونة بالحق مصاحبة له ، متلبسة به ، فهي حق ثابت مستقر موافق لفطرة البشر أجمعين ، لا يأتيه باطل قط ، وما كان حقا ملائما لفطرة البشر لا بد أن يكون عاما ، شاملا لا يختص بمكان ، ولا بزمان ، ولا بعصر من العصور . ثالثها - قوله تعالى : مِنْ رَبِّكُمْ أي أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم جاءت من ربكم الذي خلقكم ، وقام على أموركم الذي يعلم ما فيه نفعكم ، وما فيه خيركم ، ولا يرضى لعباده إلا النفع لعمومهم . ولذلك كان الإيمان بهذه الرسالة والإذعان لها أمرا واجبا لمصلحة الناس أجمعين ، فقال سبحانه : فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر ، وتقدير الكلام : إذا كان ذلك الرسول هو الكامل في رسالته التي جاءت بالحق تلازمه ويلازمها ، وفيها مصلحة لكم لأنها من عند ربكم ، فآمنوا خيرا لكم ، أي فأذعنوا للحق وصدقوه ، واعملوا به خيرا لكم . وهنا أمران لفظيان فيهما توضيح المعنى وكشف لبعض أسرار البلاغة القرآنية .